المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ما تَرطَّبتْ الألسن بذكره، وما عَملَتْ الجوارح بشكره، وما خَفقَتْ القلوب بحبه، وما سجدت الجباه لعظمته، وما رُفعَتْ الأيدي لمسألته، وما سارت الأقدام لطاعته، والصلاة والسلام على معلم البشرية، ومنقذ الإنسانية، منار الهدى،وعلم التُّقى، النبي المصطفى، والرسول المجتبى، وعلى آله وصحبه ومنبهم اقتدى، ثم أما بعد: فإن الإسلام دين يهتم بشؤون الإنسان خاصته وعامّته، ويتابعه في كل صغيرة وكبيرة إرشاداً وتقويماً،ويعتني به في كل أموره تهذيبا وتجميلا،ويوجهه للعمل دنيا وآخرة، ويصون الإنسان عن نزواته، ويحميه من شهواته، ولهذا فقد تشرفت بكتابة “صفحات حول “احكام الحواس الخمس في الإسلام “وما فيها من جدة الطرح ، وجهد المحاولة في بيان أحكامها وتنزيل الأحكام الشرعية عليها التي لم يسبق لي أن اطلعت على كتاب مستقل يتناول ما تناولته في الكتاب، أسأل الله أن يتقبّل مجهودنا المتواضع، بأحسن القبول إنّه سميع مجيب.
المدخل
تعلمون إخوتي أن نعم الله على الإنسان كثيرة لا تعد ولا تحصى، لقول الله تعالى : “وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ” (1) ولئن تحاولوا حَصْرَ نِعَم الله عليكم لا تستطيعون، سوف تعجز أعقد أجهزة السوبر كمبيوتر عن إحصائها.قال الله تعالى: “وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الإنسان لَظَلُومٌ كَفَّار”ٌ(2) لنتأمل ـ هذه الحواس و المشاعر الخمس ـ نعمة السمع والبصر والذوق والشم واللمس،حتى نعلم حكمة الله فيها وما أودع فينا من أسرار.
وهذه الحواس الخمس تكتسي أهمية كبيرة لدى الإنسان، وبها يشكر المسلم ربه،ويعرف نعم الله المغدقة عليه ظاهرة وباطنة،قال الله تعالى ” أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ ” (3) تلك الحواس التي علق الله بها الكثير من الشرائع والأحكام ،وأن الإنسان بحواسه يفرق بين الخير و الشر، وبين النفع والضر، وبين النعمة والنقمة. كما أنه بها يفرق بين الأحجام ، والألوان ،و المسافات ، و الأصوات . والإنسان الحامل لهذه الحواس لمسؤول مسؤولية جسيمة عنها. وهو مطالب في أن يستخدمها في طاعة الله ورضاه، قال الله تعالى : ” وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُولـٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً “. (4) تستطيع أيها الإنسان في هذه الحياة أن تتحكم في حواسك وتوجهها حيث تريد وحيث تشاء، ولكنك في الآخرة عاجز، وستقف متهماً أمامها لا تستطيع السيطرة عليها، ولا التحكم فيها.
ففي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ ” كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَضَحِكَ , فَقَالَ :” هَلْ تَدْرُونَ مِمَّ أَضْحَكُ ؟ قُلْنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ , قَالَ مِنْ مُخَاطَبَةِ الْعَبْدِ رَبَّهُ فَيَقُولُ : يَا رَبُّ أَلَمْ تُجِرْنِي مِنْ الظُّلْمِ , يَقُولُ بَلَى , فَيَقُولُ إنِّي لَا أُجِيزُ الْيَوْمَ عَلَى نَفْسِي شَاهِدًا إلَّا مِنِّي , فَيَقُولُ كَفَى بِنَفْسِك الْيَوْمَ عَلَيْك حَسِيبًا وَالْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ شُهُودًا , قَالَ فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ وَيُقَالُ لِأَرْكَانِهِ انْطِقِي فَتَنْطِقُ بِأَعْمَالِهِ , ثُمَّ يُخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَلَامِ فَيَقُولُ بُعْدًا لَكِنْ وَسُحْقًا فَعَنْكُنَّ كُنْت أُنَاضِلُ “.(5)
(1) [النحل: 18].
(2) [إبراهيم: 34]
(3) سورة لقمان الآية 19
(4)سورة الإسراء الآية36
(5) صحيح مسلم كتاب الزهد والرقائق
ولما كانت الحواس بهذا القدر من الأهمية والخطورة، فإنه يجب على الإنسان تسخيرها في طاعة الله وتقويمها بقوام الشرع، ولن يتأتى ذلك إلا بمعرفة الأحكام التكليفية الخمس : من وجوب ومباح ومستحب ومكروه وحرام .
يقول عبد الواحد ابن عاشر رحمه الله تعالى مبيناً هذه الأحكام أَقْسـامُ حُكْـمِ الشَّرْعِ خَمْسّةٌ تُرامْ **فَرْضٌ ونَدْبٌ وكَــراهَةٌ حَـرامْ ثُمَّ إِبَــاحَةٌ فَمَـأْمـُورٌ جُـزِمْ ** فَرْضٌ ودونَ الْجَزْمِ مَنْدوب وُسِم ذو النَّهيِ مَكْروهٌ ومَعَ حَتْمِ حَرامْ** مَأذُونُ وَجْهَيْهِ مُبَـاحٌ ذا تَمـامْ وبتوفيق الله سأحاول أن أنزّل هذه الأحكامَ على كل حاسة حتى يتسنى للمسلم معرفة أمر دينه، ليعبد الله بكل حواسه وجوارحه بل وأيضاً بنياته.
الحاسة الأولى السمع
1ـ السمع : وهو قوة في الأذن به تدرك الأصوات. ومن ثم فإن البيان والتعليم والنطق في الإنسان يأتي عن طريق السماع أكثر من أية جارحه أخرى .
قال الشاعر:ياقوم اذنى لبعض الحي عاشقة ** والأذن تعشق قبل العين احيانا
ومنها :أن آخر ماينام في الإنسان هو السمع وأول مايستيقظ من جوارحه هو السمع مما يدل على قوة هذه الجارحة على البصر . قال الله تعالى “قل أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاء أَفَلَا تَسْمَعُونَ ” (1) وفي سورة الكهف قال تعالى :” فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً “(2)
(1) سورة القصص :الآية 71
(2) سورة الكهف: الآية 11
وقد قرن الله بين السمع والبصرفي أكثر من موضع مع تقديم السمع، وهذا ما يبين إعجاز القرآن في أن
السمع يُنشأ قبل البصر وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوا الله فيقول ” وَمَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا.”(1)
و كان صلى الله عليه وسلم إذا سجد يقول: اللهم لك سجدتُ وبك آمنتُ ولك أسلمتُ سجد وجهي
للذي خلقه وصوره وشقّ سمعه وبصره فتبارك الله أحسن الخالقين. (2)
السمع في القرآن العظيم
إن للسمع ثلاث درجات ذكرها الله في كتابه.
1ـ الإحساس بالصوت دون إعارته أي انتباه ، ومثل ذلك كمثل الطفل الصغير يسمع الأصوات ولا يفهم
معناها وكمثل الناعق مع البهيمة، فلا تسمع إلا دعاءه ونداءه، ولا تفقه غير ذلك وعن هذا النوع.
يقول الله تعالى” وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء “. (3)
2ـ الإحساس بالصوت مع العقل والعلم وذلك في قوله تعالى: “وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ “(4)
3ـ
الإحساس بالصوت مع الفهم والإستجابة ،وهذه أفضل درجات السمع التي أثنى الله على أهلها
بقوله” إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ”(5).
وقد جاء في كتاب الله الفرق بين السماع والاستماع والإصغاء والإنصات فالسمع يكون بقصد
وبدونه، ومثاله في كتاب الله العزيز قال الله تعالى: وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ “(6)
(1) رواه الترمذي وحسنه
(2) سنن ابن ماجة وأبي داود
(3)البقرة: 171.
(4)البقرة: 75
(5) الأنعام: 36
(6) القصص: 55
الإستماع :يكون بنية الفهم والمعرفة مع الاستجابة.
قال الله تعالى :” وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ (1)
الإصغاء: هو الميل الى المتحدث مع حسن الاهتمام ،
قال تعالى “إن تتوبا إلى اللهِ فقد صغَتْ قُلوبُكما” ” (2). وقال سبحانه”ولِتَصْغَى إليه أفئدةُ الذين لا يؤمنون بالآخرة”. (3)
قَالَ الشَّاعِر : تَرَى السَّفِيه بِهِ عَنْ كُلّ مُحْكَمَة*** زَيْغ وَفِيهِ إِلَى التَّشْبِيه إِصْغَاء الإنصات :هو السكوت و ترك الإشتغال، و الاستماع بكل الجوارح” وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ” (4)
عن أبي موسى الأشعري قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: “إنما جُعِل الإمامُ ليؤتمّ به فإذا كبّر فكبِّروا وإذا قرأ فأنصتوا”. (5)
و أن السمع المستجيب في الدنيا سبب من أسباب السعادة في الآخرة .
قال الله تعالى: “لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلَا تَأْثِيماً إِلَّا قِيلاً سَلَاماً سَلَاماً “(6)
ولما عطّل الكافرون فضيلة حاسة السمع في الدنيا حرمهم الله منها في الآخرة، قال الله تعالى: “لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ ” (7).
ويعترفون بذلك فيقولون:” وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ”. (8)
وقد فرق الفقهاء بين السامع والمستمع في سجود التلاوة فقالوا بسجود المستمع للقارئ دون السامع.فاستدلوا على ذلك بحديث ابن عمر: “كانوا يسجدون مع النبي صلى الله عليه وسلم إذا سجد” كما استدلوا بعدم سجود السامع بما روى في البخاري عن عثمان بن عفان وعمران بن حصين وسلمان الفارسي أن السجود إنما شرع لمن استمع ، وكذلك روى البيهقي وابن أبي شيبة عن ابن عباس. (9)
(1) الأحقاف: 29
(2) التحريم: 4
(3) سورة الأنعام الآية 113
(4) الأعراف: 204
(5) أخرجه مسلم في صحيحه ورواه أهل السنن.
(6) الواقعة: 25-26
(7) الأنبياء :100
(8) سورة الملك الآية 10
(9) نيل الأوطار أبواب سجود التلاوة والشكر باب سجود المستمع إذا سجد التالي وأنه إذا لم يسجد لم يسجد.
الأستاذ أحمد يخلف ahmed-yekhlef@hotmail.com