العيون سيدي ملوك : من فوضى البناء الفوضوي الى فوضى الجمعيات السكنية.
العيون بريس/ أبو منال : صحيح أن الجمعيات السكنية أنقذت العشرات من الهكتارات من المد العمراني الغير منظم منذ أزيد من عشرين سنة وساعدت المنتسبين إليها على الحصول على مساكن لائقة بل فاخرة أحيانا، لكن صحيح أيضا أن الفساد الذي أصبحت تعيش عليه مكاتب ذات الجمعيات بات يستدعي تدخلاً فورياً لا يقبل التأجيل لإنهاء التجاوزات الخطيرة التي تشوب أنشطتهم عبر جميع المراحل في غياب تام لجميع أشكال المراقبة، محلية كانت أو على الصعيد المركزي، مما جعل بعض المسيرين يتصرفون حصراً وفق ما تمليه المصلحة الشخصية .
لم تعد جمعياتنا اتفاقاً لتحقيق تعاون مستمر لاستخدام المعلومات أو الأنشطة لغاية غير توزيع الأرباح حسب التعريف القانوني، إنما هي في الحقيقة مقاولات برساميل محترمة تنشط في مجال العقار تحتمي بقانون الجمعيات الذي يوفر لها هامشا للتهرب من الضرائب ويجنبها مقتضيات مدونة المحاكم المالية. فمتى ستبدأ محاسبة أداء تلك الجمعيات؟ ولماذا سيظل المأجور البسيط أو العامل المغترب يتحمل دائما تبعات سوء إدارتها؟
إن ملف الجمعيات السكنية بالعيون من الملفات الأكثر اتساخاً وتعقيداً اعتباراً للغموض والضبابية التي يفضل القائمون عليها العمل فيهما. هذا الغموض يبدأ مع مرحلة التأسيس : فعوض أن تتأسس الجمعية من أشخاص لهم نفس الأهداف من مسيرين ومنتسبين وبعد ذلك فقط يشرع في البحث عن الإمكانيات المتاحة لتحقيق تلك الأهداف، بتوفير القطعة الأرضية المناسبة والموارد المالية اللازمة مع مراعاة الحالة المادية للمنخرطين، عوض كل ذلك فإن الواقع عندنا أن الجمعية السكنية غالباً ما تتأسس من مضاربين عقاريين يشكلون أعضاء المكتب بعد العثور على القطعة الأرضية الفارغة و"التفاهم" مع أعضاء الجماعة السلالية حول شروط التفويت.
حينئذ تنطلق عمليات الابتزاز التي يمارسها المكتب على المنخرطين من جهة والمسئولون الإداريون على أعضاء الجمعية من جهة أخرى، فيدخل على الخط أهل الاختصاص الترابي من أعضاء المجلس الذين يحصلون على انخراطات من غير أن يدفعوا درهما واحدا، يتكلف فيما بعد رئيس الجمعية ببيع البقعة الخيالية موضوع الانخراط الوهمي لفائدة ذات الأعضاء مقابل عدم المشاكسة والعرقلة ومن أجل إخراس لسان النقد.بعد ذلك يأتي دور رئيس مصلحة الأشغال بالعمالة الذي لا يكفيه فرض انخراطه بالجمعية بل يتدخل للحسم حتى في اسم المقاولة التي يجب أن تنجز أشغال التجزئة والتي لا يمكن أن تخرج عن اسمين هما مقاولة (البو ) أو (حط ) المحتكرة لهذا النوع من الأشغال بالعيون سيدي ملوك.
مسلسل الابتزاز يتواصل مع بلوغ ملف الجمعية إلى أروقة الوكالة الحضرية التي لا بد أن تحصل على حصتها من الغنيمة.
هذا المطاف تمر به كل الجمعيات، بغض النظر عن نوعية العقار، والخروج من مراحله يتم بنفس الطرق والفاتورة في الأخير يؤديها المنخرط القابع في ذيل الترتيب والذي ليس من حقه الاطلاع على مصير الأموال التي يدفعها ولا على لائحة المنخرطين وليس من حقه المطالبة بالجموع العامة ولا التقارير الأدبية ولا المالية فهو مطالب بالدفع والسكوت تحت طائلة التهديد بالطرد بل إن إحدى الجمعيات السكنية هي الرائدة في التسلط الإداري والفساد المالي والمقطوع منها " الأمل" ألزمت منخرطيها كتابة بعدم محاسبة أعضاء المكتب وذلك أمام أعين السلطات المحلية. وهي ذات الجمعية التي تردد لقب مؤسسها أكثر من 45 مرة في لائحة منخرطيها التي تضمنت أيضا أسماء رضع ومواليد جدد.
قليلة هي الجمعيات السكنية التي أبلت البلاء الحسن وظلت موضع ثقة المنتسبين إليها وتكاد تعد على أصابع شارة النصر. تلك كلمة نقولها في حق جمعيتي: الوحدة و القدس في طبعاتها الثلاث. فقد توفقت في توظيف العمل الجمعوي للأغراض الاقتصاديةالاجتماعية ووفرت للعديد من العائلات بقعا أرضية في المستوى لا من حيث المساحة فقط إنما من حيث السعر والتسهيلات في الأداء أيضا . وحتى جمعية السلام كانت تجربة ناجحة إلى حد كبير واستطاعت أن تفضح الكثير من مثيلاتها لما قدمت لمنخرطيها بقعا ذات رسوم عقارية ارخص بكثير من بقع الجمعيات التي أقيمت على الأراضي العرشية .
إن أجواء الترهل والفشل الإداري والفساد المالي أفقد الثقة لدى منخرطي جمعيتي النسيم والبركة بمسيريها فأحجموا عن إتمام الدفعات فتوقفت الأشغال وأصبح مستقبل المشروعين في مهب الريح ، رغم محاولات الإنقاذ العديدة التي لن تزيد الا في تأجيج غضب المنتسبين. ويمكن اعتبار أثمان بقع تجزئة النسيم دليل إدانة لمكتبها المسير فلا بعقل أن ترفع هذه الأثمان إلى 78 ألف درهم في الوقت الذي نزلت فيه إلى 20 ألف درهم بتجزئة القدس. فأين الخلل؟
هذه الظاهرة المثقلة بالهموم والتعقيدات والفساد أفرزت طبقة من الأثرياء الجدد الذين انغمسوا في هذا المستنقع الآسن من أعلى رؤوسهم إلى أخمص أقدامهم منهم من ظهرت عليه النعمة حتى قبل أن يولد المشروع، ومنهم من ضرب ضربته وملأ "بيته" وانسحب إلى الخلف تاركا التسيير لغيره ، ليتفرغ هو لمزرعته التي اقتناها بأموال المنخرطين. منهم من اغتنى ومنهم من ينتظر كحال الصقور الذين يعتزمون صيد "يمامتهم" فوق أرض المصلى بدعم مكشوف من شيخ النسور المشرف على التقاعد ولذلك فهو في سباق ضد عمره ليملأ بطنه ولن يملأها إلا التراب.
لقد أصبح جشع الجمعيات السكنية يثير مخاوف المواطنين من أن يتم السطو على جميع المساحات الفارغة بالمدينة وتحويلها الى مناطق" للسكن الاقتصادي" بأسعار ملتهبة لفائدة المسيرين لذلك نطالب الجهات المختصة بإيفاد لجان تحقيق لنفتح هذا الملف على غرار باقي ملفات الفساد المالي، وتبحث في مصادر الاغتناء الفاحش للقيمين على الجمعيات السكنية الذين نقل أغلبهم أنشطته المشبوهة إلى مدينة وجدة حيث يوجد مقر المجلس الجهوي للحسابات ونتمنى أن يكونوا في ضيافته في أقرب الآجال.