قصة "ارفع الصوت"
العيون بريس/ إسماعيل عزام : زينب تقتل والدها بعد أن أحال حياتها هي ووالدتها وباقي أخواتها إلى جحيم،فبسبب تشدده الديني،حرمهن من التعليم وحتى من الخروج من المنزل،وكان يزدري البنات لكونه يريد من زوجته أن تلد له ولدا،وهو ما جعله يمنعها من أخذ وسائل تنظيم النسل،وحتى عندما رزق بولد،وتبين له أنه مثلي جنسيا،قام بقتله،مما جعله يتزوج بعاهرة كي يستطيع دفع الرشوة للشرطة كي لا تحقق في مقتل ابنه.
تلك هي القصة المقتضبة للفيلم الباكساتني "ارفع الصوت" للمخرج الباكستاني الشهير شعيب منصور والذي يذكرنا برائعته السابقة "باسم الله" التي أخرجها سنة 2007 والتي تحصلت على مجموعة من الجوائز لعل أهمها جائزة الخنجر الذهبي،حيث ناقش في ذلك الفيلم فكرة تحريم الموسيقى من طرف الكثير من المسلمين،وهي الفكرة التي لم يكتفي فقط بطرحها،بل انتقدها وقدم الكثير من الأدلة على جواز الموسيقى في الإسلام وهو ما جعل ذلك الفيلم يخوض جدلا كبيرا خاصة في بلد معروف بتشدده الديني مثل باكستان..
فيلمه الجديد يناقش كذلك فكرة متجذرة في المجتمعات الإسلامية،وهي فكرة أن الله قادر بالتكفل برزق كل واحد منا،فبطلة الفيلم "زينب خان" تعاتب والدها على عدد أفراد الأسرة الكبير،حيث لم يعد بمقدور رب الأسرة التكفل حتى بمصاريف التغذية بسبب تدهور تجارته التقليدية،عتاب زينب كان عبر تقديم مجموعة من الأدلة التي تحاجج فكرة والدها القاضية بأن الله قادر على إطعام الجميع،وذلك عندما استحضرت له مثال ما يحدث في الصومال وعدد من الدول الفقيرة التي يقضي مواطنوها بسبب المجاعة.
هكذا خيم على الفيلم ككل سؤال جوهري هو إذا كان قتل الناس جريمة،ألا يعد حتى إنجابهم جريمة في الكثير من الأحيان؟؟فتمرد زينب جعلها أكثر أخواتها وعيا بأنها تستحق حياة أفضل غير حياة الطاعة التي أحاطها بها والدها.
الفيلم يناقش كذلك وضعية المثليين في المجتمعات الإسلامية،حيث ولد أخ زينب"صايفي" مثليا،وهو ما جعل والده يكرهه،إلى درجة أنه قتله عندما نضج ووصل إلى مرحلة المراهقة،وذلك بعدما اغتصبه مجموعة من الرجال يعمل معهم،ف"زينب" لم تستطع أن تغفر لوالدها جريمته ودخلت معه في نقاش حول أنه إن كان حقا مؤمنا بقدر الله كما يقول،فمن واجبه تقبل خلق الله،لأن الكثير من المثليين لا يختارون هذه الحياة بمحض إرادتهم،وبالتالي فليس عليهم دفع خطأ ارتكبته الطبيعة في حقهم...
غير أن الفيلم ككل وضع في مقدمة رسائله وضعية المرأة في العالم الإسلامي،فهذه الوضعية التي صورها شعيب منصور بأنها وضعية فيها الكثير من العبودية والاضطهاد،تدعو كل مشاهد للفيلم إلى التفكير بجد من أجل الحلم بمستقبل أفضل للمرأة المسلمة،فهي إما مخنوقة في البيت لا تؤدي سوى عملية إنتاج الأبناء والأشغال المنزلية وهو ما نستشفه من وضعية أسرة زينب،أو عاهرة يتم التعامل مع جسدها كبضاعة وذلك عندما رحل بنا الفيلم إلى تبيان عالم الدعارة في باكستان ورغبة ملاكه الشديدة في إنجاب البنات لأنهن السلعة التي تمكن هذا العالم من الاستمرار،هكذا فالفرحة الوحيدة التي قدمها للفيلم للفتاة وهي تولد،كانت فرحة أرباب عالم الدعارة بتلك المولودة التي كان والد زينب سببا فيها..
لا يتوقف موضوع المرأة عند هذا الحد،فزينب وهي في آخر لحظاتها-على اعتبار أنها حكت قصتها لوسائل الإعلام قبل أن تعدم-تقول لأمها وأخواتها أن أمنيتها في الحياة هي أن تخرج المرأة من عالمها الأسود وتنزع ذلك النقاب وتتحول إلى إنسانة منتجة عوض البقاء كتابعة للرجل،فاسم الفيلم"إرفع الصوت" يعني أن يرفع الجميع الصوت ضد استغلال المجتمع للمرأة باسم الدين،على اعتبار أن المساواة بين الرجل والمرأة هي الأصل...
شعيب منصور يهدينا في هذا الفيلم طبقا سينمائيا من أعلى مستوى،فقد نجح في إبداع فيلم متميز ليس فقط من ناحية القصة،وإنما حتى من الإخراج الرائع الذي جعلنا نكتشف ثنايا المجتمع الباكستاني،ومن خلال حسن اختيار الأبطال في الفيلم الذين أدوا أدوارهم بكل إتقان خاصة هميمة مالك التي لعبت دور زينب،ومن خلال التقنية السينمائية التي اتسمت بالتشويق حيت لا يحس المشاهد بالملل رغم طول الفيلم الذي وصل إلى ساعتين ونصف،كل هذا مع الاستمتاع بموسيقى تصويرية رائعة،وبأغاني باكستانية مميزة خاصة تلك التي غناها المغني الشهير "عاطف أسلم"...